(6)


كغيري من الناس تعجبني أخبار الحمقى والمغفلين، وكنت إذا ضاقت بي الحياة وإذا ادلهمت أمامي الخطوب، فإني ألجأ إلى كتاب "أخبار الحمقى والمغفلين" للإمام العلم ابن الجوزي، فلقد كان لقلمه قدرة فذة على تصوير هؤلاء، وما كنت أبدًا لأتصور أن يكتب الله عليَّ الحياة بين أظهر الحمقى، بل ويضطرني المقام إلى علاج هذا المرض العضال، ولو عرف هؤلاء أي فضل لي ولأمثالي عليهم(لا أقصد شخصي بل مهنتي كمعلم)، لكانوا أحرص الناس على حفظ قدرى، ورفع جنابي، ولكانوا أشد الناس توقيرًًا لي اعترافًا منهم بفضلي، ولكنهم لفرط حمقهم وقلة عقلهم يسيئون لمن يحسن إليهم، ولايقدرون من يريد كشف الجهل عنهم، ويضيقون ذرعًا بمن يصبر على حمقهم، فتحول كتاب "أخبارالحمقى والمغفلين" إلى (سيناريو) تتكرر مشاهده في ثنايا حياتي التي تحولت إلى كابوس مزعج بالنسبة لي، وإلى نوادر طريفة مضحكة بالنسبة لمن يسمعها، إليكم مشهد واحد منها قصَّهُ عليَّ أحد زملائي وهو مدرس لغة عربية-مثلي- كنا نتندر به على ما قابلناه من مشاهد غباء وحمق بعض الطلاب فال:

"بينما كنت أشرح قصة كفاح شعب مصر، تحدثت طوال الحصة عن سعد زغلول وبينت أنه من أهم الشخصيات التاريخية في عصرنا الحديث، ثم أسهبت في بيان دوره في قيادة الأمة ضد الاحتلال الإنجليزي لمصر، وعن دوره في ثورة 1919م ثم عن نفيه و....ما إلى ذلك مما هو معروف عنه ،حيث طال الحديث عنه لأكثر من ساعة إلا الربع هي مدة الحصة،ثم قام في نهاية الحصة أحد الطلاب المعروفين بالذكاء المفرط، والثقافة الواسعة ليسأل بعد أن فتحت الباب للمناقشة، فسأل بمنتهى الاهتمام: " يا أستاذ يا ترى سعد زغلول كان قبل بعثة النبي –صلى الله عليه وسلم- أم بعدها؟!!.." فأخبرته ساخرًا: "إنه أحد كفار قريش!!"، ليجلس بدوره مسلمًا مصدقًا بذلك، بينما تتعالى ضحكات زملائه...ـ

قلوب لا تعرف الرحمة


عملت في أحد المدارس الاستثمارية -أقصد الخاصة-، وتعرفت على مدرس انجذبتُ إليه كثيرًا، رغم فارق السن الكبير فهو في سن والدي تقريبًا أو يكبُره ببضعة أعوام، رأيت فيه طيبة أهل زمان، وحنو الوالد الرءوف، كنت أبث إليه أشجاني وأحزاني، ولم يبخل عليَّ بنصيحة أوحتى بتضميد جراحات الواقع الأليم، نعم صداقة من نوع خاص، وبعد عدة أشهر تغيب عن العمل، فسألت عنه، وعلمت أنه مريض، وكانت مفاجأةً غير سارة لي ولجميع زملائي، فقد أصيب بسرطان في الرئة، تبًا لهذا المرض اللعين، لا أستطيع أن أصور مدى الحزن الذي أصابني بل وأصاب كل من خالط هذا الرجل الفاضل، الذي أستطاع ببشاشته وطيبة قلبه أن يستأثر القلوب، وعندما قابلته رأيت وجهًا غيرالذي أعرفه، تبدلت لبشاشة حزنًا، والطمأنينة خوفًا من مستقبل مجهول، أخفيت دموعي، حاولت أن أُلقي على مسامعه بعض ما اعتاد أن يسمعه من عبارات التصبير، وأن المؤمن مصاب و.......أحسست بإحساس غريب، يقين أُلقى في روعي، يقول لي: "الله أكرم من أن يخزي مثل هذا الرجل" تذكرت كلمات السيدة خديجة للنبي الكريم –صلى الله عليه وسلم- عندما جاءه الوحي لأول مرة، وظن أنه شر أو مس أصيب به، قالت له: "والله لن يخزيك أبدًا إنك لتحمل الكَّل، وتُطعم الجائع، وتكسو العاري، وتُعين على نوائب الدهر"، نعم الله رحيم الله كريم، خرجت كلماتي له من قلب يملؤه اليقن من شفاء الله له، سمع الرجل كلماتي بروح انهزامية، وتغيب عن المدرسة بسب تلقيه العلاج الكيميائي الذي حول قوته ضعفًا، وعزيمته إلى وهن...ـ

وهنا ظهرت لنا مشكلة، لو استمر هذا الرجل في تغيبه فسوف يتم فصله وربما يفقد مكانه في المدرسة، وحجة أصحاب المدرسة الاستثمارية معروفة: "ما ذنب الأولاد الذي يقوم بالتدريس لهم، سوف يؤثر ذلك على مستواهم وتحصيلهم"، وعلى الفور بادر زملاء مادته في سد فراغه؛ لكي تنتهي هذه الحجة، وكان ذلك قُرب نهاية العام الدراسي، وتمَّ ما أردنا وانتهى العام دون أن يحس الأولاد بأي مشكلة، وبدأ أستاذنا المبجل في الاستجابة للعلاج، ولكنه لازال متعبًا، تحامل الرجل على نفسه وحضر إلى المدرسة، كان مهمومًا بسبب زملائه خوفًا من أن يكون قد أثقل عليهم ، طلبنا منه عدم الحضور ولا يخشى شيئًا فنحن لا نحس بأي مشكلة، ولكنه رفض وأصرَّ، بدأت الأجازة المدرسية، ولكنها كانت للأولد وليست للمدرسين، نعم نحن نأخذ رواتب من المدرسة، ولابد أن نعمل بلقمتنا!! نحضر لا لشيء إلا لإذلالنا، مقابل دراهم معدودة لا تسد احتياجاتنا الضرورية، ومن رفض ذلك فبادربأخذ أجازة بدون راتب، جاء الرجل لا لشيء، بل جاء لتمارس عليه بعض الطقوس السادية، والتلذذ بتعذيب المدرسين!!.ـ

حاولنا أن نطالب إدارة المدرسة بأن يكون هذا الرجل حالة استثنائية لمرضه وضعفه، ولكنها قلوب لا تعرف الرحمة إليها سبيلاً، وذات يوم سقط هذا الرجل من الإعياء الشديد، سقط فاقد الوعي والحركة، هرعنا إليه كلٌ يبذل ما في وسعه لإفاقته، والحمد لله استفاق الرجل واستطعنا أن نبتلع ريقنا بعد أن بلغت منا القلوب الحناجر من شدة خوفنا على هذا المعذب، حاولنا أن نستأذن له لينصرف دون جدوى......_

قدر الله وتركت هذه المدرسة ولكني مازلت أُتابع حالة الرجل التي تحسنت كثيرًا، وتماثل تقريبًا للشفاء وذكرته بكلماتي له: "إن الله لن يخزيك أبدًا"، أما هؤلاء –أصحاب المدرسة- فمازال الكريم يُملي لهم ليزدادوا إثمًا، وعند الله تجتمع الخصوم...ـ

(3)


قبل أن أعمل في التدريس كانت لي وقفات مع قول الله تعالى (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)

كانت وقفات وتساؤلات تدور في عقلي كيف بنبي الله موسى وهو نبي من أولي العزم من الرسل أن يُلقي الألواح التي بها كلام الله؟! وكيف يتعدى على نبي الله هارون؛ فيأخذ برأسه ويجذبه من شعره؟! وأي قدر من الاستفزاز ناله نبي الله موسى؛ ليخرجه غضبُهُ إلى هذه الحالة التي صوَّرها القرآن، ألهذا الحد يُخْرِجُ الغضبُ الإنسانَ عن عقلِهِ؟! ولماذا لم يحاول نبي الله هارون بأي تصرف يذود به عن كرامته كنبي من أنبياء الله أهينت كرامته أمام قومه؟! بل اكتفى فقط بتوضيح موقفه وما دفعه لفعل الخطأ!!

كانت هذه التساؤلات تساؤلات المتأمل في الموقف لأخذ الحكمة والعبرة من الآيات، وليست تساؤلات الشاك -معاذ الله- في كلام الله وآياته البينات.

لكن بعد عملي كمدرس استطعت أن أدرك وبمنتهى الوضوح كيف يتحكم الغضب بالإنسان، بل وإلى أي حد قد يصل الغاضب، قد يصل إلى فقدان العقل وعدم السيطرة عليه، وأدركت حكمة الشرع في جعل طلاق المغضب لا يقع، ولكي تتأكد من تصوري هذا لك أن تفهم ذلك في ضوء هذا الموقف....

(كنت في حصة التربية الإسلامية للصف الثاني الثانوي، وكنت أعلم مدى حرص الطلاب على مادة التربية الإسلامية التي لا يفتحون كتابها إلا ليلة الامتحان الخاص بهذه المادة!! وبينما كنت اشرح لهم تفسير بعض الآيات القرآنية، إذ بهارون (طالب) يشوش على الشرح، وكأننا في حصة ترفيهية، فنبهته مرة وأخرى وثالثة، وعندما بلغ مني الغضب مبلغه هددته بالطرد من حصتي، وأن هذا التشويش إن كان لا يجوز في الحصص الأخرى؛ فإنه من باب أولى في حصة الدين وذكرته بقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) وأن هذا التشويش يدخل في دائرة التقديم بين يدي الله، ولكن لا حياة لمن تنادي، فثارت ثورتي لنفسي ولدين الله الذي ما عاد يُحترم –على الأقل- في مدارس المسلمين.

فقلت له: أخرج إلى خارج الفصل!!

فنظر يمنة ويسرة لأصدقائه مستخفًا بي، وكأنَّ لسان حاله: كيف تَجَرَّأ هذا لطردي؟

لم اتمالك نفسي من الغضب إلا وأنا أجرُّ الفتى إلى خارج الفصل بصورة مهينة.

وهنا تذكرت قصة موسى وهارون تلك وتفهمت كل إجابات تساؤلاتي.

وعندما حضر ولي الأمر لكي يستفسر عما حدث، شرحت له الموقف، وكان أبلغ رد مني:

يا سيدي لست في حلم موسى وليس ولدك في أدب هارون!!!!!

(2)



لازلت اذكر قصة وقفت على تفاصيلها وأنا أعمل في أحد المدارس ذات الشهرة الواسعة لأحد الزملاء الفضلاء
المشهد(مدرس داخل الفصل انتهى من شرح الدرس الذي بدوره يمر بين الطلاب ليتابع ما يقومون بنقله من على
السبورة وأحد الطلاب الذي تخلص منه أبواه بإرساله إلى المدرسة -ليلقي بلاه على أحد غيرهم-وليتخلصوا من
شقاوته التي لا يطيقونها)ـ
المدرس مندهشًا: يا حبيب قلبي لماذا لم تنقل ما على السبورة مثل باقي زملائك؟
الطالب مندهشًا من موقف المدرس وسؤاله السخيف الذي ليس له محل من الإعراب لأنه يعلم أن مدرسه يدرك السبب:ـ
كنت مشغولاً مع ......و........و.......و.....ـ
المدرس ضائقًا به : حسنًا دع هؤلاء وأكمل ما كنت تكتب
(المعلم يستكمل مروره لمشاهدة بعض الطلاب ومتابعتهم ثم يعود لذلك الطالب ليرى ماذا فعل)ـ
المعلم غير متفاجئ: لماذا لم تكتب ما الذي يشغلك؟
(وهنا ينظر إلى وجه الطالب الذي تلوح منه علامات البلاهة، وترتسم على وجهه أحدث ما وصل إليه البرود البشري من أمارات الحمق والغباء الموروث طبعًا بالإضافة إلى المكتسب بفعل الخبرات الطويلة في إثارة الشغب في المنزل
المعلم كاظمًا غيظه ضاربًا الطالب على رأسه ضربة هينة خفف من قوتها محاولاته اليائسة لكظم غيظه ومتذكرًا ما قد تترتب عليه هذه الضربة العنترية من آثار بعد أن تمّ تجريم كل محاولات العقاب البدني بل والنفسي
المعلم:انقل ما على السبورة!!!ـ
في اليوم التالي...ـ
مدير المرسة يستدعي المعلم: أنت محول للتحقيق!!ـ
المعلم: وما جنايتي
المدير: ألا تعلم أيها المعلم المحترم فلان (الطالب السابق)ألا تعلم ابن من؟
المدرس مرتجفًأ : لا يا فندم لا أدري
المدير: ابن المستشار فلان الفلاني

ـ(هنا وقد أحس المدرس بأن رجليه لا تحملانه)ـ
يتابع المدير الكلام:لقد قام ولي الأمر بعمل محضر لك في القسم يؤكد فيه أنك قمت بالاعتداء على ابنه بل ورفع أمرك إلى الإدارة التعليمية
لقد وضعت المدرسة ووضعتني في وضع لا أُحسد عليه !! لقد جعلتني اضطر إلى استرضاء الرجل بكافة السبل؛ لكي لا يضرك ويضر المدرسة، ولكني بحصافتي -وحفاظًا على مستقبلك في هذا العمل- اتفقت معه على تخييرك بين الاستقالة أو إكمال الإجراءات
المدرس المسكين: سيدي وما العمل؟
المدير: حفاظًا عليك من الدخول في سين وجيم و تعريضك للعقوبة سوف أقبل استقالتك

وفجأة وجد هذاالمدرس المغترب الذي ترك أسرته المكونة من الزوجة وابن رضيع في أحد المحافظات النائية لكي يأتي إلى القاهرة سعيًا وراء لقمة العيش في المدارس الخاصة أقصد الاستثمارية وجد نفسه بلا عمل في منتصف عام دراسي يصعب من فرصة وجود عمل في مدرسة بديلة...ـ

أسباب فشل العملية التعليمية


لاشك أن التعليم في زمننا بات معضلة من أكبر المعضلات، وما وصل إليه التعليم من حال سيء، هو في الأساس بسبب:
1.غياب ما تربينا عليه من قيم كاحترام الصغير للكبير، وعطف الكبير على الصغير.
2.نستطيع أن نلقي كثير من اللوم على المعلم الذي انصرف للمادة-معذورًا تحت وطأة الحاجة وضعف المرتبات- تاركًا التبعة الثقيلة التي ألقاها على عاتقه ضميره المهني قبل أن يكون ذلك من قِبل مجتمعه أومديريه.
3. والقدر الأكبر يقع على عاتق الطالب الذي لايقدر المعلم -لأن بابا بفلوسه هو الذي أحضره وفتح له المدرسة اللي بتاخد مصاريف كتيررررر قدر كده!! فانخفضت أسهم قيمة المعلم في المجتمع.
4.وجانب أكبر يقع على ولي الأمر الذي يرى أنه قد اشترى لولده المدرسة بمدرسيها،وأخذ يسمم عقل ولده بذلك قائلاً: بص يا ابني أوعى حد يكلمك في المدرسة داحنا اللي فاتحين بيوتهم!! وظن الطالب وولي الأمر أن المؤسسة التعليمية مجرد مكان ترفيهي لممارسة الــ(أنشطة الترفيهية أو
(ACTIVITY)الــــــــــــــــــــــــــــــــ

5.وقدر أكبر وأكبر يقع على عاتق المدرسة التي ظن أصحابها أنها مشروع استثماري الزبون فيها دائمًا على حق وأن واجبهم يحتم عليهم قبول كل ما يحدث من ولي الأمر والطالب باعتبار (أنهم الزبائن)، وبدأ التعامل من منطلق الزبون دايمًا على حق!! وريَّح الزبون، وبالتالي وإلقاء كل التبعات على المعلم (المطحون). وللحديث بقية

أهدي مدونتي
إلى من علمتني أن قدر المرء يُعرف بقدر عطائه
إلى من لا تغيب عن خلدي طرفة عين
إلى أمي.....
إلى أبناء وطني الذين آمنت بهم وإن خذلوني
إلى من كنت أضع عليهم آمال نهضتنا وإن خابت فيهم آمالي
قفوا وتنبهوا ما يمكر بكم
فإني لكم ناصح .....
إلى من أردوا تجهيل أمتنا وتضليل أبنائنا
أقول الموت دون ما تمكرون

رسائل أحدث الصفحة الرئيسية